فهرسة المخطوطات العربية

 

فهرسة المخطوطات العربية

 

بشير بركات- القدس

 تحتاج فهرسة المخطوطات إلى دراية وخبرة يُكتسب بعضها من خلال إعداد مهني، فيما يستمد المفهرس
غالب المعلومات الضرورية الأخرى من ثقافته الخاصة ومطالعاته. وتوجد في بعض الدول
الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا معاهد مختصة بالتدريب على أمانة المخطوطات والوثائق
وفهرستها. أما في البلدان العربية فيتم تدريس مادة المخطوطات كمساق منفرد في كليات
المكتبات. وتطرح بعض المؤسسات دورات متفرقة حول الفهرسة.

 صفة المخطوط العربي

يبدأ المخطوط عادة بالاستهلال وهو البسملة والحمدلة والصلاة على النبي الكريم. أما الديباج فهو صفحة
العنوان التي يبدأ بها المخطوط وتشمل الاستهلال وعنوان المخطوط واسم المؤلف والهدف
من التأليف وأحيانا فهرسا بعناوين الفصول والمصادر التي اعتمد عليها المؤلف. وفي
القرون الأخيرة تم تخصيص الورقة الأولى من المخطوط للعنوان واسم المؤلف فقط. أما
اسم الناسخ وتاريخ ومكان النسخ فتكتب في آخر المخطوط.

وبهدف الاقتصاد في استهلاك الورق الثمين لم يفرد النساخ صفحات مستقلة لعناوين الفصول كما نرى في
الكتب الحديثة. فكان الناسخ يكتب عنوان الفصل باللون بالأحمر ضمن النص وليس في سطر
مستقل، وبعض النساخ كانوا يكتبونه على الهامش.

ويلاحظ اتساع الهامش في غالبية المخطوطات العثمانية حيث كان الناسخ يترك فراغا يتيح للقارئ أن يضيف
ملاحظاته وتعليقاته على النص إذا كان عالما. وهكذا ينتج تأليف جديد، ومنه نشأ
مصطلح (الحاشية).

ويلاحظ في بعض المخطوطات العثمانية أن الأوراق كانت تكبس عند صناعتها لتتكون عليها خطوط ناتـئة
متوازية تمثل الأسطر. فكان الناسخ يلتزم بحدودها ويترك ما عداها فارغا لكتابة
حاشية.

وعوضا عن ترقيم الصفحات ابتدع النساخ نظام التعقيبة، وهي أن يكرر نسخ الكلمة الأولى من كل صفحة في
أسفل الصفحة التي سبقتها بهدف التعرف على تتابع الصفحات. وفي حالات نادرة نعثر على
مخطوطات تم ترقيم أوراقها، وفي أواخر العهد العثماني بدأ ترقيم الصفحات ذاتها.

وبعد الفراغ من نسخ المخطوط كان الناسخ يجري (مقابلة) أي مقارنة مخطوطه بالمخطوط الأصلي الذي نسخه منه
بحثا عن أخطاء وقعت سهوا، فيقوم بتعديلها في موقعها أو على الهامش.

وهناك جوانب معينة في المخطوط تزيد من قيمته البحثية كأن يكون بخط المؤلف، أو أن يكون
فريدا لا توجد منه نسخ أخرى.

رواد الفهرسة

لقد تنبه المسلمون إلى أهمية إلى فهرسة الكتب منذ العصر العباسي الأول حيث تذكر كتب التاريخ أن المأمون
أمر بإعداد فهرس لكتب خزانة الحكمة في بغداد، وكانت مكتبة الخليفة الأموي الحكم (ت
366هـ) في قرطبة تحتوي على فهارس تفصيلية.

لكن أقدم وأشهر الفهارس العامة كتاب (الفهرست) الذي صنفه محمد بن إسحق النديم عام 377هـ، فهو أول
كتاب من نوعه ظهر في التاريخ.

وكانت مهنة ابن النديم ورّاقا ينسخ الكتب ويجلدها ويبيعها. وقد بدأه بشرح عن الخط العربي ورسم
المصاحف والتجليد والقلم والخط. ثم بدأ بوصف كثير من الكتب الرائجة في عصره، وصنفه
حسب الموضوعات والمؤلفين. فهو أول نموذج متطور لفهارس الكتب العامة على الإطلاق.

ثم ظهرت أنواع أخرى، ومنها فهارس المرويات وهي الكتب التي قرأها عالم معين خلال حياته ثم وصفها في كتاب
مستقل، ومثال على ذلك فهرس الخطيب البغدادي الذي وضعه عام 462هـ وذكر فيه 474
كتابا، وتوجد نسخة منه في دار الكتب الظاهرية في دمشق. ومنها فهرس أبو بكر
الاشبيلي (ت 575هـ) الذي يعد من أهم كتب التراث الإسلامي، فهو مصدر نادر لمعرفة
مؤلفات المسلمين في القرون الأولى، حيث وصف أكثر من ألفي كتاب قرأها بنفسه.

وهناك نمط آخر وهو فهارس الكتب الموقوفة على طلبة العلم أو المساجد أو المكتبات العامة، وهي عبارة عن
قوائم بأسماء الكتب التي ترد ضمن كتاب الوقف الذي يشمل أوقافا أخرى. ونجد أيضا
قوائم مشابهة ضمن حجج توزيع الإرث حيث يتم تدوين أسماء كافة الكتب التي خلفها
العالِم. وتضم سجلات محكمة القدس كثيرا من هذين النوعين خلال العهد العثماني.
ومنها مكتبة الشيخ شرف الديري التي تم تسجيلها عام 985هـ،
ومكتبة الشيخ يحيى شرف الدين بن قاضي الصلت عام 1007هـ، ومكتبة الشيخ محمد الخليلي عام 1139هـ، ومكتبة الشيخ محمد بن بدير عام 1205هـ.

ومن أنواع الفهارس العربية القديمة أيضا قيام العالم نفسه بوضع كتاب يذكر فيه أسماء الكتب التي ألفها
خلال حياته ويصف محتوياتها. وقد يذكرها مؤلف آخر في بعض مصنفاته. ومن الأمثلة على
ذلك الفهارس التي حددت مؤلفات ابن أبي الدنيا وأبي الريحان البيروني والجلال
السيوطي. ومن الأمثلة المقدسية على ذلك مصنفات الشيخ نصري بن أحمد بن محمد الحصري (ح 1083هـ)- انظر ترجمته في
باب الدراسات المقدسية في باب العرب.

وهناك فهارس تختص بتحديد محتويات المكتبات المشهورة، مثل فهرس خزانة التربة الأشرفية، وهي مدفن
الملك الأشرف موسى بن محمد بن أيوب المتوفي في دمشق سنة 635هـ. وقد استقر هذا
الفهرس في مكتبة الفاتح في استانبول. وكان واضعه قد رتبه أبجديا حسب العنوان مع
ذكر اسم المؤلف وعدد النسخ وأصحابها.

ومن أشهر الكتب العثمانية التي ساهمت في خدمة التراث الإسلامي قاطبة فهرس (كشف الظنون عن أسامي
الكتب والفنون) لمصطفى بن عبد الله الشهير بحاجي خليفة (ت 1067هـ) حيث يعد من أهم
الفهارس العامة للكتب العربية ومن أجلّ ما قدمه العثمانيون في هذا المضمار. وقد
بدأ كتابة فهرسه خلال زيارة قام بها لمدينة حلب، ثم أخذ يدون كل ما يصله من أسماء
الكتب، وأتم عمله الموسوعي خلال عشرين عاما في مدينته استانبول، وفيه 15 ألف عنوان
رتبها حسب حروف الأبجدية مع ذكر المؤلف وتاريخ وفاته.

فهارس المستشرقين

تزخر المكتبات الغربية بنفائس المخطوطات الإسلامية التي وصلت إليها عبر مختلف الوسائل، ومنها أن
المدعو أمين حسن الحلواني المدني سافر إلى الغرب عام 1883م وباع عددا هائلا من
المخطوطات إلى مكتبة ليدن في هولندا والمكتبة الملكية في برلين ومكتبة جامعة
برنستون.

وقد اهتم المستشرقون بإعداد فهارس باللغات العربية والأوروبية للمخطوطات العربية في مكتباتهم، حيث بدأ
ظهور تلك الفهارس في أوروبا وروسيا أولا ثم في أميركا في بداية القرن العشرين.
ونذكر فيما يلي نماذج منها.

تحتوي مكتبة الأسكوريال الواقعة قرب مدريد على مجموعة نادرة من المخطوطات الأندلسية والمغربية.
وكان الملك فيليب الثاني قد بدأ بجمع نواتها من بقايا مكتبة غرناطة بعد طرد
المسلمين منها. وفي عام 1614م أضيفت إليها مكتبة السلطان زيدان أحد سلاطين المغرب
المكونة من 3000 مخطوط. لكن حريقا هائلا شب في الإسكوريال لاحقا، ولم يتبق من مجموع
الكتب العربية سوى 2000 مخطوط. وقد صدر (فهرس المكتبة العربية الاسبانية في
الاسكوريال) في مدريد عام 1770م.

وفي عام 1894م صدر فهرس يصف 1300 مخطوط في مكتبة المتحف البريطاني. أما مكتبة برلين الوطنية فقد
أصدرت فهرسا يصف 10171 مخطوطا في عشر مجلدات عام 1899م.

وفي عام 1900م صدر فهرس للمخطوطات العربية في مكتبة جامعة كامبردج وتناول 1154 مخطوطا. وصدر في عام
1940م فهرس لمخطوطات مكتبة دائرة الهند في لندن وتناول 1049 مخطوطا.

وأخيرا نذكر فهرس مخطوطات مكتبة تشستر بيثي في مدينة دبلن التي تحتوي على 2500 مخطوط عربي والذي صدر
عام 1966م في ثماني مجلدات بالإضافة إلى فهرس منفرد يصف 244 مصحفا عام 1967م.

الفهارس العربية الحديثة

يعد فهرس كتبخانة إبراهيم باشا داماد أول جهد إسلامي في هذا المجال في العصر الحديث حيث صدر في
استانبول عام 1279هـ/1862م. ثم صدرت بعده عدة فهارس في تونس والقاهرة ودمشق وبغداد
والقدس. وكان بعضها يشمل المخطوطات والمطبوعات.

وفي عام 1947م وضع يوسف العش فهرسا لمخطوطات (التاريخ وملحقاته) في دار الكتب الظاهرية وعددها 568
مخطوطا؛ وفي عام 1962م وضع عزة حسن فهرسا لمخطوطات (علوم القرآن) في الدار؛ ثم وضع
عبد الغني الدقر فهرسا لمخطوطات (الفقه الشافعي) عام 1963م.

وفي عام 1953م وضع محمد أسعد طلس (الكشاف عن مخطوطات خزائن الأوقاف) في سوريا، ثم وضع فهرسا لمخطوطات
مكتبة الأوقاف في بغداد البالغ عددها 3614 مخطوطا.

ومن جهود البحاثة العراقي كوركيس عواد في هذا المجال كتاب (المخطوطات العربية في دور الكتب
الأميركية) الصادر عام 1951م، وكتاب (الآثار المخطوطة والمطبوعة في الفولكلور
العراقي) الصادر عام 1963م و(فهرست مخطوطات خزانة يعقوب سركيس) في جامعة الحكمة في
بغداد الصادر عام 1966م.

ومن المشاهير الذين ذاع صيتهم في عالم المخطوطات في بلاد الشام الدكتور صلاح الدين المنَجّد، ومن
مصنفاته معجم للمخطوطات العربية المطبوعة صدر في عام 1962م. واشتهر في مصر فؤاد
سيد الذي وضع فهرسا لمخطوطات دار الكتب المصرية عام 1955م.

منهجية الفهرسة

هناك فارق كبير بين فهرسة الكتب المطبوعة والكتب المخطوطة، فكل نسخة مخطوطة لها ميزات
وتفاصيل خاصة من حيث الحجم والخط والورق والناسخ وتاريخ النسخ، بخلاف الكتب
المطبوعة التي تتطابق فيها آلاف النسخ.

ويشترط في المفهرس أن يكون على دراية بمختلف العلوم الإسلامية حتى يتمكن من التعرف على موضوع المخطوط
ومؤلفه وعنوانه. قال صلاح الدين المنجد: (إن ميدان المخطوطات العربية هو ميدان
الثقافة الإسلامية كلها). وتنمو ثقافة المفهرس في هذا الميدان كلما مارس المزيد من
الفهرسة.

وينبغي على المفهرس أن يتعلم الاختصارات التي كان النساخ يلجأون إليها وخاصة للكلمات التي يكثر
استخدامها، مثل كلمة حدثنا في كتب الحديث حيث تكتب (ثنا) وأخبرنا (أنا) وانتهى
(أهـ). أما الصلاة على النبي فلم يسمح باختصارها بحرف (ص) أو (صلعم) إلا نادرا.

وتختلف أساليب الوصف
من مفهرس إلى آخر، فالبعض يصف المخطوطات بشكل مفصل يتجاوز مفهوم الفهرسة ويصل إلى
حد التحقيق، والبعض الآخر يضن بالوصف بحيث يكون فهرسه مجرد قائمة بالعناوين
والمؤلفين وسنة النسخ فحسب.

وبعد مرور الفهرسة بمراحل مختلفة، استقر الأمر على أن وصف المخطوط يجب أن يشمل ما يلي:

العنوان

وهو المدخل الرئيس للمخطوط حيث أن بعض المخطوطات تكون مجهولة المؤلف أو تنسب إلى أكثر من مؤلف. ويكون
اسم الكتاب مدونا عادة ضمن الديباجة في الصفحات الأولى. وأحيانا يكون على صفحة
مفردة في أول المخطوط إضافة إلى اسم المؤلف. وفي حالات نادرة نجد اسم الكتاب في
آخر المخطوط. وإذا فشلت المحاولات للعثور على عنوان المخطوط فيجتهد المفهرس في وضع
عنوان مناسب مثل (كتاب في علم العروض) بين قوسين للإشارة إلى أنه ليس العنوان
الأصلي. وقد يحمل الكتاب أكثر من اسم، وعندئذ يتم اختيار الاسم الأكثر شيوعا مع
الإشارة إلى الأسماء الأخرى في الملاحظات.

المؤلف

لا يجوز الاكتفاء بكتابة اسم المؤلف حسبما ورد في المخطوط، فكثيرا ما يكون مختصرا جدا مثل
(النابلسي) أو (شيخ الإسلام زكريا) ، وهذا يسبب إشكالا لدى الباحث. وأحيانا لا نجد
اسم المؤلف أو العنوان الحقيقي، ومن ذلك مخطوط وجدتُ مكتوبا على جلده من الداخل
(فتاوى الحايك) فحسب، وبعد الرجوع إلى كتب التراجم تبين لي أن عنوان المخطوط هو
(شفاء العليل بفتاوى المرحوم الشيخ إسماعيل) والمؤلف هو إسماعيل بن علي بن رجب
العيني الحائك (1046-1113هـ/1636-1701م) مفتي دمشق. ويجب تدوين الاسم كاملا مع سنة
الوفاة، فأحيانا يحمل أكثر من مؤلف نفس الاسم مثل ابن رشد أو إبراهيم الحلبي.

أول المخطوط

ينبغي سرد بضعة جمل من بداية المخطوط من أجل التأكد من صحة نسبته إلى المؤلف والعنوان، حيث يتيح ذلك
أمام الباحثين إمكانية مقارنته بنسخ في مكتبات أخرى. ولا يجوز أن يقتصر الأمر على
الاستهلال الذي يتكرر في معظم المخطوطات، بل يجب اختيار جمل توضح موضوع الكتاب أو
أسباب التأليف أو غير ذلك من المعلومات المميزة للمخطوط.

آخر المخطوط

وينبغي أيضا سرد جمل هامة ترد في أواخر المخطوط مثل مكان التصنيف أو النسخ أو معلومات تاريخية. وخلال
فهرستي لبعض المخطوطات التي فُقد أولها، كانت فهارس المكتبات الأخرى التي تذكر آخر
فقرة من كل مخطوط خير عون لي في التعرف على عنوان المخطوط واسم المؤلف، وخاصة في
المكتبة البديرية.

عدد الأوراق والأسطر

ينبغي ذكر عدد أوراق التي يتكون منها المخطوط وعدد الأسطر في كل صفحة، حيث يعطي ذلك فكرة عن
حجم النص. وينبغي ترقيم الأوراق بقلم رصاص بهدف حصرها والتأكد من عدم فقدان بعضها
في المستقبل.

اسم الناسخ وتاريخ النسخ

يرد ذلك عادة في نهاية المخطوط. وإذا كانت الورقة
الأخيرة مفقودة يقدّر التاريخ حسب نوع الورق والخط والحبر. وإذا كان الناسخ قد ذكر
اسمه وأغفل تاريخ النسخ فبالإمكان تقديره من خلال التعرف على سيرة الناسخ نفسه.

 

ومن الأمور الأخرى التي يشملها الوصف قياس الصفحات بالسنتيمتر ونوع الخط والحبر
والجلد. ويفضل أيضا ذكر مصدر المخطوط أي الجهة التي كان المخطوط بحوزتها قبل
استقراره في المكتبة. وكذلك فإن ذكر التمليكات والأختام والإجازات يفيد بعض
الباحثين في التراجم والتاريخ.

 المجاميع

تضم بعض المخطوطات
بين دفتيها عدة رسائل في موضوعات متنوعة لمؤلف واحد أو لعدة مؤلفين. ويطلق على هذا
النوع مجموع، وهناك خلاف في طرق فهرسته، فالبعض يصف رسائل المجموع بالتتابع، والبعض
الآخر يصف كل رسالة على حدة، ويضع وصفها في المكان المناسب في الفهرس حسب الموضوع.
والحمد لله رب العالمين.







جميع الحقوق محفوظة  2012                                                                                                    

Developed By:: Optimal Solutions Ltd