دار إسعاف النشاشيبي

 

على بقعة مرتفعة في حي الشيخ جراح شمالي القدس يربض قصر عريق ابتناه محمد إسعاف بن عثمان النشاشيبي عام 1340/1922، فغدا محجا لكثير من الأدباء والمفكرين العرب. وكانت عدة عائلات مقدسية قد اتخذت من قصورها في ذلك الحي منتديات أدبية إبّان الاحتلال البريطاني الذي عُني بدعم الطرب والأدب في أوساط العرب وبدعم الجامعات والصناعات في أوساط اليهود. وما زالت جدران القصر يناجي بعضها بعضا، وما زالت تهمس في آذان الزائرين فتحدثهم عما اتكأ عليها من كتب ومخطوطات ضمت بين دفاتها فيضا من ذخائر العرب، وما زالت أسقفه ترنو إلى أرباب أفكار وأقلام تسامروا تحتها في عهود غبرت وفي ظلال دول سادت ثم أدبرت.

وكان من جملة من دخلوا القصر من أهل الشام الحاج أمين الحسيني والشيخ حسام الدين جار الله وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي وخليل السكاكيني وشكيب أرسلان وخليل مردم ومحمد كرد علي وخير الدين الزركلي وتقي الدين الصلح وسعد الله الجابري وبشارة الخوري. ودخله من أهل العراق الصافي النجفي ومعروف الرصافي وجميل الزهاوي؛ ومن أهل مصر عبد الوهاب عزام وأحمد حسن الزيات وإبراهيم المازني وأحمد زكي وعبد الرحمن الجديلي وتوفيق دياب ومحمد عبد الوهاب ومكرم عبيد؛ ومن أهل الهند مولانا شوكت علي.

يتكون قصر الأديب من طابقين تبلغ مساحة كل منهما 296 مترا مربعا، وتسوية مساحتها 110 مترا مربعا، ويقع على قطعة أرض مساحتها 1210 مترا مربعا. وقد أشرف على بنائه المهندس اليوناني الأصل سبيرو خوري.

ويمتاز القصر ذي الأحجار زهرية اللون بتعدد شرفاته التي تطل على التلة الجنوبية من الحي. ولا يستطيع المارّون من مشاة وركبان عبر الشارع الرئيسي مقاومة إغراء تلك الدرة اليتيمة فيلتفتوا إليها بغية التمتع بجمالها ورونقها. ومما يلفت أنظار المعماريين عند زيارتهم للقصر تلك الزخارف القاشانية الرائعة التي تزين جداريه الجنوبي والشرقي. وكان معمل الفخار الفلسطيني الواقع في حي سعد وسعيد قد أنجز صناعته حوالي عام 1357/1938. وكانت تقنية ذلك العصر بسيطة تعتمد على طين محلي يخضع بعد تلوينه لدرجة حرارة تصل إلى 900 درجة مئوية
وقد شُيد مدخل الحديقة في الجهة الجنوبية بمحاذاة الشارع الرئيسي. وما زالت بوابته وسياجه على قِدمها تحيط بالحديقة وتتيح فسحة للنظر إلى خضرتها وزهورها. وعلى جانبي الحديقة نخلتان باسقتان، لعلهما في عمر القصر ذاته. وكان محمد إسعاف قد سافر إلى مصر في أوائل عام 1367/أواخر 1947 مستشفيا من مرضه فتوفي في ربيع الأول 1367/كانون ثاني 1948 ودفن في القاهرة. وما لبث بعض السفهاء أن نهبوا قصره وخاصة مكتبته التي احتلت عدة غرف في قصره.

وقد اتُخذ القصر مقرا للقنصلية الفرنسية، ثم مقرا لمدرسة الآثار الألمانية عام 1384/1964. ثم دخل في حوزة مؤسسة دار الطفل العربي عام 1402/1982، حيث أسس فيه الدكتور إسحق موسى الحسيني (ت 1411/1990) مركز الأبحاث الإسلامية عام 1406/1986، والذي أصدر عدة أبحاث تراثية وفكرية. وتم تأسيس مكتبة قيّمة في الطابق العلوي تشمل مكتبات، أو أجزاء من مكتبات، عدد من مشاهير القدس أمثال عارف العارف وفوزي يوسف وإسحق موسى الحسيني ومحمد يونس الحسيني وإسحق درويش وناصر الدين النشاشيبي وفريد موسى كاظم الحسيني، إضافة إلى مجموعة نفيسة من المخطوطات التي جمعها إسحق الحسيني من بعض العائلات المقدسية.

وكان من حسن طالع القصر أن المتعاقبين على سُكناه وإدارته حافظوا على سلامة أبوابه ونوافذه وأرضياته فبقيت على حالها منذ تشييده، فما زال شوقه العميق يشده نحو ماضيه العريق وما زال بنيانه شاهدا على أحداث طالما عصفت بالقدس من حوله.

المصدر: مباحث في التاريخ المقدسي الحديث، الجزء الأول، ص 65-6؛ مجلة البيادر، عدد 845؛ صحيفة أخبار العرب (كندا).







جميع الحقوق محفوظة  2012                                                                                                    

Developed By:: Optimal Solutions Ltd